أحمد مصطفى المراغي

18

تفسير المراغي

أي حتى إذا وصل بين الجبلين ، ( وقد تقدم وصف مكانهما بالتحديد كما رآه السائحون في القرن الخامس عشر الميلادي ) وجد من دونهما أمة من الناس لا يكادون يفهمون كلام أتباعه ولا كلام غيرهم ، لبعد لغتهم عن لغات غيرهم ، مع قلة فطنتهم ، إذ لو كان لهم فطنة لفهموا ما يراد من القول بالقرائن وفحوى الحال . ( قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ) أي قال مترجموهم إن يأجوج ومأجوج يفسدون أرضنا بالقتل والتخريب وأخذ الأقوات وسائر ضروب الإفساد ( تقدم تحقيق القوم في ذلك ) . ( فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ؟ ) أي فهل تحب أن تجعل لك جعلا من أموالنا فتجعل بيننا وبينهم حاجزا يمنعهم من الوصول إلينا ؟ . وخلاصة ذلك - إنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم ما لا يعطونه إياه حتى يجعل بينهم وبينهم سدا . ( قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ) أي قال ذو القرنين : إن ما مكننى فيه ربى من بسطة الملك والسلطان ووفرة المال - خير مما تبذلونه لي من الخراج ، فلا حاجة بي إليه ، وهذا نحو ما قاله سليمان عليه السلام « أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ » . والدول القوية يجب أن تحافظ على الدول الضعيفة ، ولا تأخذ منها مالا ما دامت قادرة على إغاثتها . وخلاصة ذلك - ما أنا فيه خير مما تبذلونه . ( فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ) أي ولكن ساعدونى بفعلة وصنّاع يحسنون العمل والبناء ، أجعل بينكم وبين يأجوج ومأجوج سدا منيعا ، وحاجزا حصينا أمنع مما تريدون . ثم بين تلك القوة التي طلبها فقال : ( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ